• Wisal Abbas

القراءة طوق نجاة: دور الرواية في مواجهة الأزمات

لن أستهل حديثي بالمقدمات التقليدية التي تسلط الضوء على أهمية القراءة. سأدخل مباشرة في الموضوع. القراءة بالنسبة لي طوق نجاة؛ فقد لجأت للكتب في عدة أزمات وكانت لي خير معين. سأحدثكم هنا عن دور الرواية في التعامل مع التحديات الاجتماعية التي واجهتني أثناء دراستي في بريطانيا بصحبة أبنائي الخمسة وزوجي الذي كان أيضا طالبا هناك.


كيف أتأقلم؟ وكيف أساعد أولادي على التكيف مع البيئة المحيطة والحفاظ على هويتنا؟

الدراسة في الغربة تحمل في طياتها الكثير من التحديات المتعلقة بالتأقلم مع البيئة الجديدة وخاصة إذا كان الطالب المغترب برفقة أبنائه، وهذا ما حدث لي أثناء دراستي في بريطانيا. والحمدلله، تداركت الأمر بطريقة لطيفة محببة إلى قلبي؛ ألا وهي قراءة الروايات التي تتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية للأسرة البريطانية.


لطالما كانت الرواية وسيلة للتعرف على ثقافات الشعوب، وقراءاتي للروايات في السابق كانت من باب التسلية وزيادة المعرفة. لم أتخيل يوما بأني سألجأ لقراءة الرواية بهدف البحث عن إجابات لأسئلتي الكثيرة التي تدور حول "كيف أربي أبنائي وأعتني بأسرتي في هذه البيئة المختلفة وتحت ضغط الدراسة؟!"






روايات كاثي جلاس (Cathy Glass)؛ المنقذ

كانت أمامي عدة وسائل للحصول على الإجابات، ولأني محبة للروايات، وسافرت بخيالي إلى الكثير من البلدان من خلال الانغماس في تفاصيل الروايات، قررت أن أستعين بالرواية في هذه المرة لاستيعاب الواقع. فبدأت في البحث عن الروايات التي تعكس التفاصيل اليومية للأسرة البريطانية، علّ وعسى أجد ضالتي. فوقع اختياري بالصدفة على رواية اسمها (Damaged) للروائية كاثي جلاس (Cathy Glass) في إحدى الأسواق الشعبية في نوتنغهام. كانت الرواية مستخدمة وسعرها لا يتجاوز 500 بيسة. وبعد انتهائي من قراءة الرواية، وجدت نفسي أبحث عن الرواية الثانية والثالثة والرابعة لنفس الكاتبة. أسرتني الكاتبة. أجابت على كل التساؤلات ومنحتني الثقة في التعامل مع تلك الظروف المعيشية.

كاثي جلاس روائية انجليزية وحاضنة بديلة للأطفال المحتاجيين للرعاية الأسرية. رواياتها عبارة عن قصص واقعية للأطفال التي ترعاهم. الرسالة المباشرة لرواياتها هي المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها الأطفال والتي أودت بهم لمنازل الأسر البديلة. أما الرسائل الضمنية، فهي كثيرة جدا، وسأختار منها ما يخدم موضوع مدونتي، ألا وهو تربية الأبناء.




المنظومة التربوية المتكاملة

روايات كاثي جلاس تدور حول القصص الواقعية لأطفال يعانون من مشاكل اجتماعية معقدة ومؤلمة جداً، تقوم السلطات البريطانية بإسقاط حضانة والديهم (بشكل مؤقت أو دائم) وتكليف مركز الرعاية الاجتماعية برعاية شؤون الأطفال، والتي بدورها تكلف أسر حاضنة مسجلة رسميا لدى المركز باحتضان الطفل بشكل مؤقت إلى أن يعود لوالديه أو يتم العثور على أسرة تتبنى الطفل بشكل دائم. فبجانب رعايتها للأطفال، كاثي أم لولد وبنت، وتسرد في رواياتها تفاصيل الحياة اليومية لأسرتها في ظل وجود طفل محتضن.

اخترت هذه الروايات لأنها تعكس واقعاً اجتماعياً متطرفاً جداً، ولا يمثل الوضع الاجتماعي الاعتيادي الطبيعي للأسرة البريطانية، وبالرغم من تلك الظروف المأساوية، تتجلي الأساليب التربوية ووسائل الترفيه في طريقة تربية كاثي لأولادها. فإذا كانت تستطيع أن تربيهم في ظل تلك الظروف المتطرفة، فأنا بالتأكيد سأتمكن من تربية أولادي في الظروف الطبيعية (الضغط الدراسي طبيعي جدا وصحي أيضاً).

من الملفت للانتباه في تفاصيل روايات كاثي هو قدرتها على تخصيص أوقات لكل طفل من أطفالها والطفل المحتضن في زخم جدولها اليومي. تتعامل كاثي مع الأطفال بشكل مدروس وليس عشوائيا، كل نشاط مخطط له وليس ردة فعل لسلوك الطفل، وكل طفل له موهبة تسعى كاثي لصقلها.


لاحظت أن التفاصيل اليومية لكاثي مع أطفالها تتشابه إلى حد كبير مع الأسر البريطانية التي قابلتهم، مما زاد فضولي للتعرف على أساليبهم التربوية بتعمق أكثر. وجدت أن من حرص البريطانيين على جودة الحياة، يتعاملون مع الطفل على أنه مشروع استثماري يعود بالنفع على المجتمع. فكل فرد في المجتمع، على اختلاف دوره وطبقته الاجتماعية ومستواه التعليمي، كل فرد يتعامل مع الطفل على أنه "مستقبل البلد". هذا لا يعني بأن المجتمع البريطاني مجتمع مثالي، بل هو مجتمع فيه الكثير من التناقضات والتحديات، حاله كحال المجتمعات الأخرى، ولكن القوانين المنصوصة في هذا الخصوص ترسم إطاراً تربوياً واضحاً يعين المربي لأداء دوره.


الأسلوب التربوي الذي يتضح من خلال أحداث روايات كاثي يتوافق تماما مع أسلوب زميلتي البريطانية، ومشرفي الأكاديمي، وجارتي البريطانية من أصول أسيوية، وأولياء الأمور الذين تعرفت عليهم في الأنشطة الأسرية في مدارس أولادي. والمقصود بالأسلوب التربوي هنا، طريقة التعامل مع الطفل في كل الحالات مثل: الغضب والعناد، وأساليب العقاب والمكافأة، وحتى في المصطلحات التربوية. السبب في ذلك هو أن ما يتلاقاه الطفل في الحضانة، وما يتعلمه في المدرسة، يتم ترجمته إلى برامج تلفزيونية تبثها القناة الرسمية البريطانية. وتحرص دور النشر على طباعة مجلات وكتب خاصة للأطفال تتوافق مع المنهج الدراسي والبرامج التلفزيونية. أي أن هناك توافق بين جميع الجهات على الأساليب التربوية. لذلك، الطفل لا يشعر بالتشتت بين تيارات تربوية متناقضة، وكذلك المربي يجد وسائل مساندة له في التربية.


وأيضا أرشدتني روايات كاثي للمؤسسات المختلفة المعينة في هذا الشأن. فمثلا، كانت تشير في أكثر من موضع لدور المكتبة العامة في تنشئة أطفالها وأيضا في انتشال الطفل المحتضن من حالته النفسية المعقدة. فقراءة الكتب للأطفال ليست من وسائل الترفيه، بل هي أداة تربوية أساسية، لذا المكتبات العامة موجودة في كل حي، كما تتضمن المكتبة العامة غرفة خاصة للأطفال الرضع تحتوي على قصص وألعاب لتنشئة علاقة بين الطفل والكتاب منذ الصغر. هذا بجانب وجود المؤسسات المعنية بصقل المواهب والمهارات مثل المراكز الرياضية والاجتماعية الحكومية، والتي استفدت من خدماتها بشكل كبير.


روايات كاثي عرفتني على المنظومة التربوية المتكاملة (إذا صح التعبير) التي تم إعدادها بشكل مقصود (لم تأتي عشوائيا) لترسم المسار التربوي لكل أسرة، سواء كانت أسرة بريطانية أو مقيمة. من خلال روايتها، تعرفت على الجهات ذات الصلة التي بإمكانها أن تعيني على التكيف مع النظام التعليمي والاجتماعي في البلد، والتعرف على الامتيازات التي يمكن أن استفيد منها كطالبة مغتربة وأم، والأهم من ذلك سهلت علي وعلى أبنائي عملية التعامل مع عامة الناس.


أنا ممتنة للقراءة

ما توصلت إليه من خلال روايات كاثي جلاس من الممكن أن أتوصل إليه بوسائل أخرى، مثل سؤال المختصين، أو قراءة المواقع الالكترونية ذات الصلة، أو سؤال الأسر المقيمة في البلد، أو غيرها. لكن ما يميز القراءة أنك تدخل إلى داخل منازل هذه الأسر وتعيش تفاصيل حياتهم اليومية، وتستشعر كل الأحاسيس وكأنك شخصية من شخصيات الرواية. هذه التجربة اختصرت عليّ الكثير من الوقت، بل عرفتني بأمور قد لا تتضح من خلال السؤال والاستفسار. والأهم من ذلك الروايات وضعتني في قلب التجربة وجنبتني الكثيرمن التحديات التي واجهت زملائي، وأدت إلى تأخرهم الدراسي أو قطع الدراسة لأسباب اجتماعية ونفسية لا علاقة لها بقدراتهم الدراسية.

أنا ممتنة للقراءة.

ممتنة لكل من يكتب بإخلاص.

ممتنة لجميع الجهود التي تسعى لترجمة ونشر الكتب.

القراءة طوق نجاة.