• Wisal Abbas

الكتاب السحري


في العام الأول من رحلة الدكتوراه استوقفني الكتاب المعروض في الصورة أعلاه، والذي سأشير إليه باسم "الكتاب السحري". الكتاب ذو صلة بسؤالي البحثي ولكن ما جذبني إليه في المقام الأول هو أن الكتاب كان في الأصل رسالة دكتوراه للكاتب نفسه، فحولها لكتاب يخاطب شريحة أوسع من القراء. اشتريت الكتاب واحتفظت به في مكتبي المشترك مع مجموعة من الزملاء في جامعة نوتنغهام البريطانية.


أحببت الكتاب كثيرا، فبجانب كونه مرجعا مهما لبحثي في بداياته، أعجبتني حينها فكرة تحويل رسالة الدكتوراه إلى كتاب، والذي أثار فضولي للتعرف أكثر على الكاتب وإصداراته بعد حصوله على الدكتوراه. استفدت من الكتاب في بداية دراستي، ولكن مع الوقت والتعمق أكثر في مجال بحثي، لم أرجع للكتاب لاستخراج المعلومات وإنما كنت أعود إليه بين فترة وأخرى لاستمد منه دفعة من الايجابية تعينني على تخطي العقبات (الكثيرة) التي كانت تواجهني أثناء الدراسة.


مرت السنوات، وقررت أن أعود في السنة الأخيرة من الدراسة لتستقر أسرتي في عُمان وأحلق أنا بين البلدين لإتمام كتابة الرسالة. عملية العودة إلى عُمان تطلبت مني أن أتخلص من الكثير من المقتنيات الشخصية إما بالبيع أو التبرع. أما بالنسبة للكتب، تبرعت ببعضها ولكن شحنت أغلبها إلى عُمان، ومن بينهم "الكتاب السحري" الذي وضعته في مكان بارز من مكتبتي في المنزل على عكس باقي الكتب المتعلقة بدراستي.


وبعد أن أكملت كتابة الرسالة، استأنفت العمل إلى أن يحين موعد مناقشة الرسالة. حملت "الكتاب السحري" معي إلى مكتبي الجديد، فقد كان الشكل الخارجي للكتاب مصدرا للتفاؤل والأمل. وقتها، لم يتم تحديد أعضاء لجنة تحكيم الرسالة بعد، فقررت أن أبتعد قليلا عن موضوع بحث الدكتوراه، وأسمح لعقلي أن ينشغل بأمور أخرى إلى أن يحين موعد مناقشة الرسالة، وبالمناسبة هذه واحدة من الاستراتيجيات المتبعة للتحضير للمناقشة.


وبعد استئنافي للعمل بفترة وجيزة، وصلني بريدا الكترونيا من المشرف يبلغني عن اسم المحكم الخارجي الذي سيترأس لجنة المناقشة؛ Dr. Mario Schaarscmidt، مؤلف "الكتاب السحري"!! سرت في جسدي قشعريرة وارتسمت على شفني ابتسامة شكر لله على تدبيره وتيسيره. أذكر جيدا أني كنت أقرأ رسالة المشرف وأنا في مكتبي، وعندما قرأت اسم المحكم مددت يدي للكتاب السحري الموضوع بعناية في الزاوية اليمنى من الطاولة، نظرت إلى غلاف الكتاب وأنا أردد في داخلي "سبحانك ربي، فعلا.. إذا أخلص العبد في أمر ما، سخر الله له ما في الكون أجمع". وقتها شعرت بسعادة واطمئنان وأيقنت بأني سأجتاز المناقشة، وبجدارة. وسأشرح لكم السبب وراء هذا اليقين.


الهدف من مناقشة رسالة الدكتوراه هو التأكد من أمرين؛ التأكد من أن الباحث (أو الطالب) قد أجرى البحث بنفسه، والتأكد بأن الباحث مؤهل أن يكون "دكتور" ويستوفي معايير "الدكتور". الأمر الأول مباشر ويمكن التأكد منه من خلال الأسئلة ومناقشة مراحل البحث. أما الأمر الثاني (حسب ما هو متبع في الجامعات البريطانية) فالتقييم يتفاوت من جامعة لأخرى حسب مستواها الأكاديمي، فالجامعات المرموقة ترفع من معاييرها في التقييم، وأيضا الأمر يعتمد على طريقة تفكير المحكم الخارجي، والقدرة على إقناعه بأن الباحث جدير بمسمى "دكتور".


بالنسبة لي، لم أقلق إطلاقا بشأن الشق الأول. فكنت ملمة بتفاصيل البحث، ومدركة لنقاط القوة والضعف في رسالتي. فبعد أن أنهيت من كتابة الرسالة، منحت نفسي إجازة لمدة أسبوع، ابتعدت فيها عن أي شيء له صلة بالبحث والرسالة. وبعدها طبعت الرسالة وقمت بقراءتها قراءة نقدية تحليلية حددت فيها أوجه القصور في بحثي وحددت مسببات القصور وآليات التطوير. كنت شديدة القسوة على نفسي في النقد لاستعد لأقسى أنواع المناقشة.


أما بالنسبة للشق الثاني، فبالرغم من كونه الجانب الأصعب من المناقشة بشكل عام، إلا أنه كان الأيسر لي والأحب لقلبي لأني كنت مطلعة على جميع إصدارات المحكم ومتابعة لتطور أفكاره وتسلسلها بسبب "الكتاب السحري" وما جاء بعده من الإصدارات. وبسهولة تمكنت من تحديد الجوانب التي يتفق فيها المحكم (ومؤلف الكتاب السحري) مع بحثي، والجوانب التي نختلف فيها. وبالطبع ركزت على جوانب الاختلاف و أسبابها وجهزت الردود والتبريرات باستخدام لغته هو، والتي أتقنتها من كثرة قراءة وتحليل مقالاته.


تم تحديد موعد المناقشة. سافرت إلى بريطانيا ومعي زوجي؛ المعين والسند . خططت للرحلة كالتالي:

  • اليوم الأول بعد الوصول: الاجتماع مع المشرف الأول والثاني للمراجعة

  • اليوم الثاني: استراحة

  • اليوم الثالث: موعد المناقشة

  • اليوم الرابع: الاحتفاء باجتياز المناقشة بالقيام بجولة في ويلز Wales ، المقاطعة التي لم أزرها (بشكل كاف) أثناء وجودي في بريطانيا.

نعم. كما تلاحظون، قررت أن احتفي باجتياز المناقشة من قبل أن تبدأ المناقشة. هذا هو اليقين.


في يوم مناقشة الرسالة... توجهت للموقع المحدد وكأني ذاهبة لجلسة "دردشة مع زملائي". التقيت بالمحكم لأول مرة وجها لوجه ولم أشعر بأنه غريب لأني قرأته من خلال كتاباته في الأعوام الثلاث الماضية. لم أخبره عن هذه المعرفة في بداية الأمر. وسرت المناقشة كما توقعت تماما.


وفي الختام طُلب مني أن أترك قاعة الاجتماع ليتم مناقشة النتيجة فيما بين أعضاء اللجنة. انتظرت خارج المكتب لدقائق وأنا أتفكر في النتائج المتعارف عليها في مثل هذه الحالات:

1. الطالب لم يجتز المناقشة، وهذه كانت مستبعدة تماما.

2. الطالب اجتاز المناقشة مع وجود بعض التعديلات على الرسالة، وهذه كانت النتيجة المتوقعة.

3. الطالب اجتاز المناقشة من دون أي تعديلات “Pass with no corrections”، وهذه بالعادة تكون نتيجة خاصة للطلبة النخبة، ولم تكن من ضمن توقعاتي إطلاقا.


وبعد مرور دقائق كانت لي بمثابة الساعات، جاء المحكم بنفسه يدعوني للعودة لقاعة الاجتماع، وزفوا لي الخبر السعيد “Pass with no corrections”. نعم، كنت على يقين بأن المناقشة ستكون ممتعة ونهايتها سعيدة، ولكن لم أتخيل بأني سأتشرف بهذه النتيجة المميزة جدا والحمد لله على نعمه وفضله.


سألني المحكم عن ما إذا كنت سأعود مباشرة إلى عُمان أم سأبقى بضع أيام في نوتنغهام. قلت له، لدي حجز مسبق في كارديف (إحدى مدن ويلز) للاحتفاء بنجاحي! ابتسم وسألني عن سر هذه الثقة وتمكني من الردود أثناء المناقشة وقدرتي على إقناعه، وكان جاوبي "Because I already know you" وحكيت له قصة الكتاب السحري.


"الكتاب السحري" لم يكن سحريا، ولا يملك القوة الخارقة، كل ما في الأمر أني أؤمن إيمانا مطلقا بمعادلة بسيطة؛ اخلص في أي عمل تقوم به، وكل ما حولك سيتحول بقدرة قادر إلى جنود تحميك وتحملك بأمان إلى أماكن تفوق توقعاتك.