• Wisal Abbas

المصداقية في التواصل: مهارة أم قيمة؟


المصداقية في التواصل: مهارة أم قيمة؟


(أنصح بقراءة موضوع "معنى المصداقية في التواصل" قبل قراءة المقال)


قبل عقد من الزمان، كانت ابنتي طيف في الصف الخامس حين طَلَبتْ منها المُعلمة أن تُعد بحثا عن "إسلام أهل عُمان". جاءتني طيف بكل حماس وشغف تحكي لي عن هذه المهمة الجديدة وتطلب مني المساعدة، وبلا تردد توجهتُ نحو أرفف الكتب، واستخرجت كتاب "عُمان والحضارة الإسلامية"، والذي كان الكتاب المقرر لمادة في جامعة السلطان قابوس تحمل نفس الاسم، درسناها كمتطلب جامعي في فترة البكالوريوس (والمادة لازالت تُدرس). قلّبتُ صفحات الكتاب إلى الوحدة التي تحكي عن وفد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عُمان. وأوضحتُ لصغيرتي بأن البحث يتطلب القراءة أولا، لذلك عليها أن تقرأ 2-3 صفحات من تلك الوحدة، وتلخص ما قرأته في ورقة بخط يدها وبأسلوبها من دون نقل.



نَظَرتْ إلّي طيف باستهجان، ولن أنسى قولها لي: "ماما... ما كذا! بحث يعني تفتحي الانترنت، تجيبي المعلومات، وتطبعيهم في ورقة من الطابعة". كانت تتوقع مني أن أعلمها طريقة البحث بالانترنت، والذي كان أمرا جديدا بالنسبة لها، ومن ثم أعلمها طريقة القص واللصق، ولكنني خيبت آمالها بإجبراها على القراءة أولا ومن ثم الكتابة. شرحتُ لها بأن الطريقة المتداولة في وسط المدارس آنذاك يُعتبر غش، بل أسوأ أنواع الغش؛ لأنه يجرد الطالب من كل المبادئ التي من المفترض يكتسبها من المدرسة، والتي بدورها (أي المدرسة) للأسف تراقب ما يحدث من غير أي اعتراض! وافقتْ طيف، على مضض، أن تقرأ أولا ومن ثم تكتب الملخص، وبعدها أقوم أنا بمراجعة الملخص وتصحيحه، وبعد ذلك تقوم هي بطباعته على مايكروسوفت ورد.

كانت تلك التجربة الأولى لطيف في كتابة البحوث. واستمرينا على نفس النهج. اليوم طيف في العام الثالث من رحلة البكالوريوس. أراقب عن بُعد طريقة تحضيرها للبحوث والعروض التقديمية. يسعدني جدا أنها تتصرف بمسؤولية وثقة، وواعية بأهمية الأمانة العلمية، وتسير على خطوات ممنهجة.


حكايتي مع طيف لم تنتهي. هي تتكرر في كل مرة أتعامل فيها مع الطلبة سواء كان من خلال التدريس أو الخدمات الاستشارية. أنا هنا لا أعمم، ولكن توجد شريحة كبيرة من الطلبة يتعاملون مع التواصل على أنه متطلب ثانوي، أو كضرورة مؤقتة لإنجاز متطلب دراسي. فعلى سبيل المثال، يسعى الطالب لتعلم أساسيات مهارات التقديم لينال الدرجة المطلوبة في مادة دراسية فقط. ومن الملحوظ أيضا أن الكثير من الطلبة يعتبرون كتابة الواجبات والأبحاث عبئاً ثقيلا لابد التخلص منه بأي طريقة، مشروعة أو غير مشروعة! علاقة الطالب بالتواصل (بكل أنواعه) هي علاقة مصلحة تنتهي بانتهاء المصلحة. بالنسبة لهم المصداقية في التوصل تتطلب فقط بعض المهارات، قد يحملونها معهم لميادين العمل ليستخدمونها وقت الحاجة، أو تتلاشى مع الوقت بسبب عدم الممارسة.



بالنسبة لي، المصداقية في التواصل هي قيمة لابد من غرسها في مراحل مبكرة من عمر الطالب، وتعزيزها في كل مرحلة دراسية. وبحكم تعاملي مع طلبة الدراسات الجامعية والعليا، لا أمانع من أن استقطع عشر دقائق أو أكثر من المحاضرة لأرسخ لدى الطلبة مفهوم المصداقية في التواصل، وبالأخص في مجال كتابة البحوث والعروض التقديمية. لا أستطيع أن أمنع نفسي من كتابة الملاحظات على الهوامش أثناء تصحيح الاختبارات؛ لأبدي ملاحظاتي حول أسلوب كتابة الطالب (والتي هي خارج محتوى الاختبار). وفي أغلب الخدمات الاستشارية أقدم أكثر من ما هو مطلوب فقط لأضمن للطالب التأسيس القوي. لا أنكر... إن هذا الأمر يشكل لي عبئا كبيرا من حيث استهلاكه للكثير من الوقت والجهد، وفي بعض الأحيان النقد والتذمر من قبل الطلبة، ولكن أنا على يقين بأن ما أقوم به هو واجب وجزء لا يتجزأ من مسؤوليتي تجاه الطلبة.

المصداقية في التواصل هي ليست مجرد مهارات نتعلمها لايصال معلومة ما للمتلقي، بل هي قيمة أخلاقية قبل كل شيء. التهاون في تعزيز مفهوم المصداقية في التواصل لدى الطلبة ينشئ جيلا لا يقدّر معنى الأمانة وتحمل المسئولية.