• Wisal Abbas

لا تركز على هدفك

ونحن على عتبات المرحلة الأخيرة من الدكتوراه، قالت لي زميلتي:

Some PhD students need a therapy after their viva. And for others, the PhD is a therapy.


بمعنى، أن بعض طلاب الدكتوراه سيحتاجون إلى علاج نفسي بعد الانتهاء من مناقشة الرسالة، والبعض الآخر سيجد علاجه في رحلة الدكتوراه. هي لا تقصد العلاج الفعلي وإنما هي صيغة مبالغة لما يواجهه الطالب من ضغوطات أثناء الدراسة.


في الحقيقة، استوقفتني عبارتها. وتفكرت في رحلة الدكتوراه التي كانت بالنسبة لي أشبه برحلة إعادة اكتشاف الذات. مرت بذاكرتي القناعات والسلوكيات التي اعتدت عليها منذ زمن طويل، وأعدتُ النظر فيها أثناء دراستي. أحمد الله الذي أنعم علي بأن أكون من الفئة التي اتخذت من الدراسة رحلة لعلاج النفس والروح، رحلة عالجت فيها الكثير من الأفكار والمشاعر السلبية المدفونة في داخلي.


في نظري الفرق بين الفئتين التي ذكرتهم زميلتي يكمن في طريقة تركيزهم على الهدف. فالفئة التي ستحتاج إلى علاج (على حد قولها) هي في الغالب الفئة التي أرهقت نفسها بالمبالغة في التركيز على الهدف بشكل أثر على باقي جوانب الحياة. ففي خضم الالتزامات الدراسية، يتناسى الطالب أدواره الأخرى في الحياة، فدور الطالب هو جزء بسيط من كيانه، والمبالغة في لعب هذا الدور يسبب خلالا في حياته. أما أصحاب الفئة الثانية، هم الذين تداركوا الأمر، وأيقنوا بأن الحياة أشمل من مجرد دراسة، وأتقنوا فن الاستمتاع بالرحلة، وتنظيم الأولويات، والتخطيط السليم لجميع جوانب الحياة.



وهذا لا ينطبق على المرحلة الدراسية فحسب، وإنما ينطبق على أي مهمة تشغل طاقتك وتفكيرك، مثل مهمة جديدة في العمل، أو مشروع تجاري جديد، أو بناء منزل الأحلام. في كل الأحول، المطلوب منك هو تحديد هدفك، ورسم خطة واضحة للتنفيذ، وتذكر بأن ما تصبو إليه ما هو إلا قطرة في بحر الحياة، وأن ربك حين يضع قدمك في أول الطريق، يخلق بداخلك كل ما تحتاج إليه من إمكانيات لتصل لهدفك. دورك هو أن تكتشف هذه الامكانيات. هنا يكمن التحدي، وهنا أيضا تكمن المتعة.


لا تركز على هدفك بشكل مبالغ. خطط لإجازاتك كما تخطط لتسليم مشروع مهم. والتزم بمواعيد اجتماع الأهل والأصدقاء كالتزامك بمواعيد اجتماعات العمل المهمة. تذكر بأن أدوارك المختلفة في الحياة مكملة لبعضها البعض، فلا تستهين بأي منها، فقد تجد فكرة جديدة لمشروعك من خلال ردك على أسئلة طفلك في جلسة حوارية لطيفة، وتنجلي الغمة من على صدرك وأنت تنصت لدعاء والدتك التي فأجأتها بزيارة غير معتادة، وتجد الحل للعقد المستعصية في دراستك أثناء رحلة ترفيهية مع أصدقائك.


ضع هدفك نصب عينيك، ولا بأس في الالتفات من حولك للاستمتاع بجمال الرحلة.